فَتَيَاتُ حِسَان

المقاطعةُ مسؤوليَّتُنا المستمرة

إن انتهاء الحرب لا يعني نهاية المسؤولية، بل بدايتها الحقيقية. قد يُغري الانشراح وتخف القبضة، لكن إن عدنا إلى الأسواق وإلى علب السلع وإلى بطاقات الائتمان غير مبالين، فسنصبح أدوات في مصنع الحروب القادمة، لا بالرصاص ولا بالدم، بل بالمال والطلب والسكوت.

المقاطعة ليست نَفَسًا انتقاميًا فحسب، بل استراتيجية اقتصادية مدروسة. هي قوة سوقية تحوّل المستهلك من لاعب سلبي إلى فاعل يفرض شروطه، ويُحدث حسابات جدوى جديدة لدى من كانوا يموّلون آلة الظلم. هل نريد أن نكون زبائن لهم بعد أن أطفأوا ناراً بأيدٍ ملطّخة؟ أم نريد أن نحتفظ بموقف أخلاقي واستراتيجي؟ المقاطعة المستمرة بعد انتهاء القتال ترسل رسالة واضحة: لن نشارك في دورة الربح من الحروب، ولن نُسهم في تمويل منظومات تعود لتؤذينا أو تؤذي غيرنا.

إنها قرار تجاري معني بالمخاطر والعوائد: مخاطرة قصيرة الأمد مقابل عائد طويل الأمد يتمثل في تغيير سلوك الشركات، وإعادة توجيه الاستثمارات، وضبط السياسات التي تدعم الاستقرار والسلام الحقيقي. لا يعني ذلك عزلة أبدية، بل وعياً اقتصادياً ذكياً: قوائم مقاطعة محددة، ومعايير شفافة، وحلول بديلة تدعم الإنتاج الوطني والخيارات الأخلاقية.

هل سننسى أطفال غزة؟ يوسف ذو الشعر المجعد، وهند رجب التي بقيت تناشد وحدها محاصَرةً من قِبَل الاحتلال، وآلاء نجار، وغيرهم من الذين صبروا وثبتوا رغم الألم. والعمليات التي أُجريت تحت ضوء الهاتف حين انقطعت الكهرباء عن المستشفيات، لتبقى الحياة تقاوم الظلام بالإصرار والعزيمة. هؤلاء ليسوا أسماء عابرة في الأخبار، بل شواهد على ضمير حيّ لا ينام.

ابقَ يقظاً، ولا تُضعف عزيمتك بعد الفرح؛ فإن السلام الحقيقي لا يزدهر إلا عندما ترافقه مسؤولية المستهلك الواعي. مقاطعتنا ليست امتناعاً عن الشراء فحسب، بل بيان اقتصادي وأخلاقي يعيد رسم خارطة القوة لصالح الكرامة والعدالة.

“الحرية لا تُشترى بالهتاف، بل تُصان بالاختيار.”


بقلم: زينب زاهد اكرم

٢٥ ربيع الآخر ١٤٤٧ هـ / ١٧ تشرين الأول ٢٠٢٥ م

شارك هذه المقالة